شكيب أرسلان

135

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

فأما اللذائذ التي لا يبيحها الشرع ، فإنّ من فضائل الدولة العربية السعودية حظرها ، وسد الأبواب عليها ، والتصلّب في هذا الشأن . ولقد حرم الحجاز منذ سنتين أو ثلاث حاجّ الأناضول ، لأنّ مصطفى كمال يأبى أن ينفق التركي شيئا من ماله في بلاد عربية ، فهو قد أراد هذا لأجل التوفير على الأتراك بزعمه ، ويا ليته احتاط للتوفير على أمته في الطرق التي ذهبت فيها الملايين من أموالهم إلى جيوب الإفرنج كالخمر والميسر ، والألبسة الإفرنجية ، وما أشبه ذلك ، مما كان السبب في هوي تركية الاقتصادي إلى ما هوت إليه ، ومما لم يعد سرا مخفيا . فمسألة نفقات الحج كانت نقطة من غدير بالنسبة إلى هذه ! ! . وكذلك كان من أسباب الثورة النجدية التي استأصل الملك ابن سعود جرثومتها أنّ موقدي تلك الثورة زعموا أنّ الحجّاج الذين يأتون من طريق البحر مشركون - هكذا سمعنا عنهم والعهدة على الرواة - وطلبوا من ابن سعود أن يسدّ طريق الحج عليهم ، فجادلهم كثيرا في هذه المسألة ، فاصرّوا على غيهم ، فقال لهم أخيرا : وكيف يعيش أهل الحجاز إذا سددنا هذه الطريق عليهم ؟ فقالوا له : يرزقنا اللّه وإياهم - وقد غاب عنهم أنّ الرزق له أسباب ، وأنّ اللّه جعل لكلّ شيء سببا ، وأنّ أعظم أسباب ارتزاق الحرمين هو الحجّ ، وأنّ اللّه تعالى أنزل في هذه الحقيقة قرآنا غير ذي عوج . * * *